القرطبي

56

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فقسم رحمة واحدة منها على جميع الخلائق ، فمنها يتعاطفون فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة على التسعة والتسعين فأكملها مائة يرحم اللّه بها عباده يوم القيامة حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن ينال منها شيئا » . وقال ابن مسعود : لن تزال الرحمة بالناس حتى إن إبليس ليهتز صدره يوم القيامة مما يرى من رحمة اللّه تعالى وشفاعة الشافعين . وقال الأصمعي : كان رجل يحدث بأهوال يوم القيامة وأعرابي جالس يسمع ، فقال : يا هذا من يلي هذا من العباد ؟ قال : اللّه ، فقال الأعرابي : إن الكريم إذا قدر عفا وغفر . وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية : هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [ المدثر : 56 ] قال : فقال اللّه تعالى : أنا أهل أن أتّقى فلا يجعل معي إله آخر ، فمن اتقى ألّا يجعل معي إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له « 1 » . وخرّجه أبو عيسى الترمذي بمعناه ، وقال : حديث حسن غريب « 2 » . وروي عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده للّه أرحم بعبده من الوالدة الشفيقة بولدها » « 3 » . وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : « قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبي ، وإذا بامرأة من السبي تبتغي ولدا لها ؛ إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أترون هذه المرأة طارحة ولدها ؟ قلنا : لا واللّه ، وهي قادرة على أن تطرحه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : للّه أرحم بعباده من هذه بولدها » « 4 » أخرجه البخاري أيضا . وقال أبو غالب : كنت أختلف إلى أبي أمامة بالشام ، فدخلت يوما على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول له : يا عدو اللّه ألم آمرك ؟ ألم أنهك ؟ فقال الصبي : يا عماه لو أن اللّه تعالى دفعني إلى والدتي كيف كانت صانعة بي ؟ قال : كانت تدخلك الجنة ، قال : إن ربي اللّه أشفق من والدتي وأرحم بي منها . وقبض الفتى من ساعته ، فلما جهزه عمه وصلى عليه ، وأراد أن يضعه في لحده فدخلت القبر مع عمه فلما سوّاه صاح وفزع فقلت له : ما شأنك ؟ قال : فسح له في قبره وملئ نورا ، فدهشت منه .

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 4299 ) بإسناد ضعيف . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 3328 ) بإسناد ضعيف أيضا . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 5999 ) ومسلم ( 2754 ) . ( 4 ) انظر ما قبله .